سيدى محمود التونسى رضى الله عنه:

 

و منهم الولى الكامل و العارف الواصل ذو الفتح الكبير و الفضل الشهير سيدى محمود التونسى رضى الله عنه. هذا السيد الجليل من خاصة الخاصة من أصحاب سيدنا رضى الله عنه المقربين إليه و الملحوظين بعين العناية لديه، و كان شديد المحبة فى جناب سيدنا رضى الله عنه مع الصدق التام فى كل ما يحاوله له فى السفر و الحضر، و شدة اعتنائه بامتثال ما به سيدنا رضى الله عنه أمر.

و حدثنى المقدم البركة سيدى الطيب السفيانى أن صاحب الترجمة كانت له دنيا واسعة، و لما سمع بسيدنا رضى الله عنه فى بعض البلدان التى كان فيها نازلا فشد الرحلة إليه و لما اجتمع به رضى الله عنه طلب منه الدعاء فدعا له، ثم طلب منه أن يعلمه الكيميا فلما سمع منه سيدنا رضى الله عنه ذلك زجره، و قال له اخرج من هذا البلد الساعة و إياك المبيت به، و إلا يحل بك كذا و كذا. فقام و هو يعثر فى ذيل الخجل و خرج امتثالا لأمره، و فى الغد رجع إليه، و صار يتملق بين يديه و تبرأ من جميع ما يملك، و طرح نفسه بين يديه كالميت بين يدى غاسله، فحينئذ أقبل عليه سيدنا رضى الله عنه و لقنه الطريقة المحمدية،  وقد ترجم له فى البغية عند قول المنية فى من فتح عليه بالولاية الكبرى من أجل صحبة سيدنا رضى الله عنه

و التونسى سيدى محمود         صفى شيخنا كثير الجود

ما نصه: و أما العارف بالله تعالى محمود التونسى فهو من خاصة أصحاب سيدنا رضى الله عنه و من المشهود له بالولاية و الفتح الأكبر

و سمعت بعض الخاصة من أصحاب سيدنا رضى الله عنه يقول إنه أحد من ورث بعض أسرار الشيخ رضى الله عنه و إنه نزل به عند وفاة الشيخ رضى الله عنه حال عظيم أثر فى ذاته حرارة خارقة للعادة كانوا يرون أن ذلك من أثر ما يحمله من الأسرار، و بقى على تلك الحالة إلى أن لحق بالشيخ رضى الله عنه بنحو شهر و ثمانية عشر يوما.

و كان ممن شهد له الشيخ رضى الله عنه بالأمانة، و ذلك فى قضية قال فيها رضى الله عنه كل من تصرف لى فى شىء من المال ظهرت عليه خيانة أو ريبة إلا سيدى محمود، و كان من الشيخ رضى الله عنه فى معرض تحذير المريد من خيانة شيخه، و معلوم أنه من أعظم ذنوب المريدين مع أشياخهم عند أهل الطريق.

و حدثنى الثقة أن سيدى محمودا رضى الله عنه كان يتصرف لسيدنا الشيخ رضى الله عنه و هو بفاس فى جميع ماله الذى بالصحراء، فكان يأتيه فى كل مرة بمال له بال مما يجمعه من أثمان صوف و سمن و أكباش و ثمر و غير ذلك. و هذا القدر من المال يستغرب السلامة من الوقوع فى شىء منه فى هذا الزمان، و مع ذلك شهد له الشيخ رضى الله عنه بما شهد من الأمانة و مناقبه كثيرة. و كانت و فاته حسبما رأيت بخط الفقيه العلامة سيدى التهامى بن محمد السقاط الفاسى نصف ليلة الثلاثاء الخامس من ذى الحجة متم سنة ثلاثين و مائتين و ألف 1230 هـ و هو موافق لما قدمت أنى كنت أسمعه من الخاص المتقدم الذكر من أنه لم يعش بعد سيدنا رضى الله عنه إلا نحو شهر و ثمانية عشر يوما.

و دفن بمقبرة باب الفتوح أحد أبواب فاس و هى معروفة و قبره معروف يتبرك به و دفن بإزائه ضجيعا له الشريف الأجل البركة المبجل مقدم سيدنا رضى الله عنه سيدى عبد الواحد أبو غالب بإيصاء منه على ذلك، و يذكر الأصحاب انهما كانا تواعدا على ذلك و تعاهدا عليه و دفن إليهما السيد الجليل الناسك ولى الله تعالى سيدى الحاج عبد الوهاب بن التاودى، و عرف بابن الأحمر الفاسى رحمهم الله تعالى و رضى عنهم أجمعين ا هـ

و فى مقبرة هؤلاء السادات قلت:

الله أكبر إن هذى المقبـــــــــــرة          ضمــــت ثلاثـــــة أنجم متنورة

نجم علا أعلا المعالــــى و قدره         و الله فـى صدر الأمـاجد صدره 

و يليــــــــــه نجم قد علا مقداره         و الله جمل فـى المعــالى منظره

أعظم بهم من سادة صعدوا العلا        و مثيلهم فــى الخلق عين لم تره

لا زالت الرحمـــى تصب عليهم        و الله يغمر روحهم فــى المغفرة

و قد وقفت على رسالة بعثها سيدنا رضى الله عنه لصاحب الترجمة رضى الله عنه و نصها:

بسم الله الرحمن الرحيم و صلى الله على سيدنا محمد و آله و صحبه و سلم تسليما و بعد حمد الله جل جلاله و عن كبرياؤه و تعالى عزه و تقدس مجده و كرمه، يصل الكتاب إلى يد حبيبنا و صفيفنا سيدى محمود التونسى.

السلام عليك و رحمة الله و بركاته و بعد: فاسمع جواب ما سألت عنه من السؤالات. أما الوظيفة فأحذرك تحذيرا شديدا من تركها و تاركها من أصحابنا يفوته خير عظيم لا ينجبر له فوات ذلك الخير أصلا إلا إنك  إن وجدت ذكرها مع الفقراء فهو أفضل و أعلا، و إن لم تجد الفقراء فاذكرها و حدك و لا تتركها حتى يوما، و اذكرها مرة بين الليل و النهار، و من وجد ذكرها مع الفقراء و ذكر وحده أخطأ الصواب و أما ما سألت عنه من أمر الشفع و الوتر إن لم يفق النائم مثلا حتى طلعت الشمس ترك الشفع و الوتر و الفجر و صلى الفرض فقط ثم يصلى صلاة الفجر قبل الزوال، و أما الشفع و الوتر إذا طلعت الشمس فقد فانا و لم تمكن إعادتها (1) و تداركهما و تدارك الصلاة المعلقة بين السماء و الأرض لأجل تركهما يكون بصلاة

 

(1)     نص سيدى أحمد التجانى رضى الله عنه فى موضع آخر أنه لابد من قضاء الفرائض اهـ. و على هذا فهذه الركعات كفارة للفوائت و الكفارة غير القضاء و الفرض لا تبرأ الذمة إلا بقضائه، و كما ذكر هنا أن المريض يقضى الفرض فمن   ===

 

النافلة أربع ركعات يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة و هى الركعات المعدة لكل فائت من الفرض و النفل من أول العمر إلى اليوم الذى صلى فيه الركعات الأربع يوم الجمعة فذلك كفارة الجميع، و الركعات مشهورة فلا نطيل بكتابتها.

و أما المريض إذا حصل له غيبة العقل بغير نوم كإغماء أو غيره فكلما مضى من الصلاة حتى خرج و قتها فى حال غيبة العقل بغير نوم فلا قضاء عليه أى المريض بعد الإفادة لا فرضا و لا نفلا و لا يقضى إلا ما تركه و معه طرف من عقله فرضا لا نفلا إلا ما أدركه وقته من النافلة بعد غيبة عقله فيصليه و السلام، و صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم تسليما ا هـ