العلامة سيدى ابراهيم الرباحى:

 

و منهم علامة الزمان بالإطلاق و فريد الألوان بلا شقاق خاتمة المحققين و فاتحة أهل اليقين الولى الكامل و الحجة الواصل البركة الأجل، و الغطريف الأفضل أبو إسحاق سيدنا إبراهيم بن عبد القادر الرياحى التونسى رضى الله عنه، هذا السيد الجليل من أفاضل أصحاب سيدنا رضى الله عنه الذين حصلت لهم العناية الدائمة و نالوا الخلافة بعده فى الهداية و الإرشاد، و الأخد بيد العباد أخد الوالد الشفيق بيد أعز الأولاد، و قد ترجم له فى البغية عند قول المنية فى تعداد بعض العلماء الجلة الذين حصل لهم الفتح على يدى سيدنا رضى الله عنه.

و التونسى العالم الرياحى    جمع ببين العلم و الصلاح

ما نصه: و أما رابعهم فهو شيخ الإسلام و قدوة الأنام، حامل لواء العلم و العرفان المخصوص حيا و ميتا برحمة الريخ و إغاثة اللهفان، ناصر هذه الطريقة الأحمدية و حامى ذماها و مطلع شموسها و أقمارها الشيخ أبو اسحاق سيدنا إبراهيم الرياحى التونسى رضى الله عنه و أرضاه و نفعنا بمحبته و رضاه، و شهرته بالتبريزفى ميادن العلم و العمل و الولاية الكبرى فى سائر الآفاق كافية عن التعرض لتفصيل مجمل ذلك فى هذه الأوراق و حسب مثلى عند ذكر مآثره الإطراق هيبة لجلالة ذلك المقام و أن يكون قصارى أمره فى ذلك العى و الإفحام ا ه

و كان صاحب الترجمة رضى الله عنه أولا على الطريق الشاذلية، و لما قدم للديار التونسية الخليفة سيدى الحاج على حرازم رضى الله عنه سنة إحدى عشرة و مائتين و ألف، اجتمع بصاحب الترجمة و تعرف به و نزل عنده فى بيته بالمدرسة و قويت الصحبة بينهمما، و شاهد منه الكرامات التى لا تحصى و سمع منه من مناقب سيدما رضى الله عنه و فضائل طريقته ما لا يقف على حده استقصا، اشتاقت نفسه للدخول فى هذه الطريقة المحمدية فصار يردد ذلك فى خاطره مرة بعد أخرى حتى أفصح له بالدخول فيها من لقنه الطريقة الشاذلية و كان من أكلبر المفتوح عليهم فتقلد حينئذ بوشاحها، و حل اقفال كنوز المعارف بمفتاحها، و كان قبل اجتماعه بسيدنا الحاج على حرازم رضى الله عنه رآى رؤيا مبشرة له بنيل مقام من المقامات، و لما اجتمع به قصها عليه و عبرها له و حل له بعض رموزها، و واعده بحل الباقى. و أمره بالدخول فى طريقته، فامتثل الأمر و صادف ما استكن عنده فى الصور.

و مما حدثنى به سيدى و مولاى أحمد العبدلاوى نفعنى الله به أن صاحب الترجمة فى المدةالتى أقامها الخليفة سيدنا الحاج على رضى الله عنه قال له يوما من الأيام إنى أردت أن أذكر فى البيت و إياك أن يدخل إليه أحد حتى أخرج ثم دخل فجلس صاحب الترجمة بالباب، و صار يترجاه للخروج و طال انتظاره حتى ضجر من ذلك و قلق، ثم دخل للبيت ليتفقده فلم يجدهفيه فصار حائرا من أموره، و قال فى نفسه إن الناس يعرفون أن الشيخ رضى الله عنه نازل عندى، فيا ليت شعرى ماذا يكون جوابى إذا سألونى عنه بعد ما لم أجده فى البيت و يا ليت و يا ليت شعرى أين ذهب، ثم بقى مهمولا طول يومه، فبينما هو جالس بباب بيته إذ خرج الخليفة رضى الله عنه، فقال له صاحب الترجمة: يا سيدى أين كنت فقال له: إن العارف إذا كان يذكر الغسم الأعظم يذوب، و بعد فراغه يرجع على ما كان عليه، و قد حصل لى ذلك كما رأيت، فازداد بذلك فيه محبة.

و من الكرامات التى حصلت لصاحب الترجمة معه أنه كان نائما فى بعض الليالى فأيقظه من منامه و قال له قم و اطلب من الله تعالى ما تريد، فهذه ساعة إجابة إن شاء الله، فقتم صاحب الترجمة من نومه و كتب مطالب وجدت مقيدة بخطه هذا نصها: طلبت من الله تعالى دوام رؤية النبى صلى الله عليه و سلم بلا شك و لا تلبيس، و طلبت عليك يارب التصرف بالإسم الأعظم، و طلبت عليك با رب المعرفة االتامة بك على أن تكون مقاما لا حالا، و طلبت عليك يا رب معرفة الكمياء و نتائج عملها بسهولة، و طلبت عليك يا رب أن تتولانى بعجزى عن أن أتولاك، و طلبت عليك يا رب امرأة على وفق المراد على سبيل الدوام، و أبناء صالحين، و عمرا طويلا بالخير معمورا بالطاعة، و مشيخة فى علمى الظاهر و الباطن على وفقما يرضيك و يرضى رسولك، و أن تغنى قلبى و كفى، و أن تسخر لى الروحانية و الإنس و الجن، و أن تبلغنى فى الآخرة و الدنيا ما بليق بكرمك، مما لا نعلمه و لا ندرى كيف نسألك إياه. و أن تفهمنى عنك فهما حقيقيا، و الموت على الإيمان الكامل ا ه  

و قد استجاب الله دعاءه و بلغه منه أمله و رجاءه، فكان رضى الله عنه من الآيات العظام الباهرة للعقول بين الأنام ذا تصريف تام و مقام عال مع فضل عام مشهورا بالولاية مقصودا للهداية، ما توجهت همته لشىء إلا ناله فى الحين، و لا رام شيئا إلا ناله فى الحين، و لا رام شيئا إلا و نجح كما شهد له بذلك كل الطالحين و الصالحين، و كان صاحب الترجمة ذا همة عالية أبية لا ترضى بسماسف الأمور، و لا يحب إلا سلوك الطريقة السنية سيما الطريقة التجانية، ذات المواهب العرفانية، و قد ألفا تأليفا فى الرد على بعض المنكرين على طريقة سيدنا رضى الله عنه (سماه بمرد الصوارم و الألسنة فى الرد على من أخرج الشيخ النجانى عن دائرة أهل السنة) قال فيه بعد الخطب

اعلم أن الشيخ المشار إليه من الرجال الذين طار صيتهم فى الآفاق، و سارت بأحاديث بركانهم و تمكنهم فى على الظاهر و الباطن طوائف الرفاق، و كلامه فى المعارف و غيرها من أصدق الشواهد على ذلك، و لقد اجتمعت به فى زاويته بفاس مرارا و بداره أيضا و صليت خلفه صلاة العصر، فما رأيت أتقن لها منه و لا أطول سجودا و قياما و فرحت كثيرا برؤية صلاة السلف الصالح، و لخفة صلاة الناس اليوم جدا كادوا أن لا يقتدى بهم الخ

و كان السبب فى تأليفه صدق محبته فى جناب سيدنا رضى الله عنه، مع شدة اتباعه لطريق الحق و عدم سكوته على الباطل إن رآه، و لما بلغ خبر هذا التأليف سيدنا رضى الله عنه كتب عنه لصاحب الترجمة و لأخويه فى العلم و الطريقة و الشاربين من منهل الحقيقة سيدى محمد بن المشترى و سيدى محمد لبتونسى رضى الله عن  الجميع ما نصه: بسلم الله الرحمن الرحيم و صلى الله على سيدنا و مولانا محمد و على آله و صحبه و سلم بعد حمد الله جل جلاله و تقدست أسماؤه و صفاتهو تعالى عزه و تقدس مجده و كرمه، يصل الكتاب إلى أحبابنا و أعز الناس لدينا سيدى محمد أبن المشترى و سيدى محمود التونسى و سيدى ابراهيم الرياحى التونسى.

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته و إنعامه و إبراره، من المسلم عليكم أحمد بن محمد التجانى و بعد: نسأل الله تعالى أن يقبل عليكم بفضله و رضاه، و أن يجعلكم فى ديوان الصديقين، و أن يحرسكم بعين رعايته، و أن يحفظكم من جميع المخاوف و المكاره، و أن يغرمكم فى رضاه إلى الاستقرار فى عليين آمين

يليه إن الكتاب الذى جمعه سيدنا ابراهيم الرياحى فى الرد على من طعن فينا و نسبنا إلى الاعتزال، و النكير علينا فلا تلتفتوا لكلامه و لا تبالوا به و لا تهتموا من شأنه، و إنما هو رجل أعماه الحسد و استولى الران على قلبه، و ليس هو من فرسان هذا الميدان حتى تلتفتوا إليه، و إنما هو كما قيل ليس بعشك فادرجى و لنا فى الرسل عليهم الصلاة و السلام أسوة، نسبوا إلى الشعر و إلى الجنون و إلى الكهانة و إلى السحر، و ما التفتوا إليه و ما أهمهم أمر من نسبهم إلى ذلك، حاصل الكلام مطلقا الحادث و القديم إنما هو أسماء و مسميات، الأسماء هى صورة كلام المتكلم، و المسميات هى مدلولات الكلام الذى يدل عليها كلام المتكلم، فكلام الحق سبحانه و تعالى وصف قائم بذاته لا ينفك عنها، و هو عين تلك الأسماء المعبرر عنها عين المسميات، فالأسماء كلها قديمة أزلية، لأنها عين الكلام الأزلى فلا يصح الحدوث فيها بوجه و لا بحال، و هى فى هذه المرتبة يستوى فيها القديم و الحادث و المسميات التى دخلت تلك الأسماء بعضها قديم و بعضها حادث، فالمسميات هى المدلولات، لا يصح فيها أن تنتقل لفهم المتكلم الحادث مثلا، و الكلام الأزلى لا يصح أن يقال، إنه قرءان(1) فى حق الذات المقدسة و إنما يقال فيه كلام.

و لكن اعرضوا عن الكلام هذا الجاهل و لا تلتفتوا إليه واأستأنسوا بقوله تعالى (و ما أرسلناك من قبلك من رسول و لا نبى إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته فيفسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله اياته و الله عليم حكيم) إلى قوله تعالى (و إن الظالمين لفى شقاق بعيد) (و ليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق منربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم، و إن الله لهادى الذين آمنوا إلى الصراط المستقيم) (و لا يزال الذين كفروا فى مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغية أو يأتيهم عذاب يوم عقيم * الملك يومئذ لله يحكم بينهم، فالذين امنوا و عملوا الصاحات فى جنات النعيم* و الذين كفروا و كذبوا بأياتنا فأولائك لهم عذاب مهين*  و الذين هاجروا فى سبيل الله ثم قتلوا أو ماتو ليرزقهم الله رزقا حسنا و إن الله لهو خير الرازقين* ليدخلنهم مدخلا يرضونه و إن الله لعليم حليم) و قوله (و كذلك جعلنا لكل نبى عدوا شياطين الإنس و الجن يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا، و لو شاء ربك ما فعلوه فذرهم و ما يفترون* و لتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة و ليرضوه و ليقترفوا ما هم مقترفون) و لكن الأمر هين اتركوه فى عماه، يقول كيف شاء و السلام، و صلى الله على سيدنا محمد و اله ا هـ

و لصاحب الترجمة قصائد عديدة لا يسعها إلا ديوان بالخصوص. و مما اشتهر به من مديحه لجناب سيدنا رضى الله عنه قوله – و هى فى كسوة ضريح سيدنا رضى الله عنه مطروزة بالصقلى فوق المحمل الشريف:

يا ترى ممرضى درى بسقامـــــى       فهو إن يرضه أعز مرامــــــى

ما عدا هجره فأجنـــــــــاد صبرى       ما استطاعت لحملهت من قيام

ايها الهـــــــاجرى و إن كنت أعلا      أين حلم النهـــى و صفح الكرام

كيف  يـــــــا سيدى و أنت مرادى       و علــــى من سواك ألف سلام

كيف أذللت بالجفـــــــــــــــا محبا        لك فــــــــــــــى قلبه أعز مقام

صار يهوى من بعد طول ائتلاف        لك وصلا و لو بطيف منـــــام

ا ه ألفا على ليــــــــــــــال تقضت       نظمت شملنــــــــا بأى  انتظام

 

(1)      القرءان بمعنى المجموع و هو قرءان بحسب ما يصير إليه

 

 حيث فــــاس قرارنا و هى دارى       ما لدار فـــــ،ى حسنها من مسام

مــــــــــا لمصر و لا لبغداد معنى       مشبه لا و لا العراق و شـــــــام

أى سر فيهـــــــــــــا و أى سرور       قد قطفنــــــــا و أى شرب المدام

أى معنــــى و أى لطف و ظرف        و غرام يهــــــــــــــــاج بالإنغام

و الإمــــــــــــام التجان أحمد فينا        داعيــــــــــا بالهدى لدار السلام

يسرج النور فـى القلوب و يمحوا        بميــــــــــــــاه الغيوب كل ظلام

يسكب السر فــــــــى سرائر قوم        أصبحوا بالوصـال سكرى غرام

ذلك فإن فــــــــــى الله حبا و هذا         قى جمـال النبــــــــى بدر التمام

يا نفوســــــــا دكــت لقهر التجلى        يا عقـــــولا خرت للطف الكلام

مدد مدهم به الشيخ جــــــــــــودا        إن جــــود التجان فى الكون هام

كيف لا و الإمــــــــام أحمد قطب        مـــــــــاله فى المقام قطب مسام

خــــــــــاتم خصــــه الإله بفضل         و عطــــــــايا من المزايا عظام

دونهـــــــــــا تنتهــــى النهى لعلو        و ارتقـــــــاء عن مدرك الأفهام

هكذا أنبأ النبـــــــــــــــــى فصدق        أو تهيـــــــــــــأ لرشق من سهام

إن نقل كيــــــــف ذلك و هو أخير       أيفـــــــــــــوق المأموم قدر إمام

قلت فاق النبــــــــــــى و هو أخير       كل ذى رتبة سمت فـــــى الأنام

ليس للقدرة القديمـــــــــــــة عجز        و كذا الفضل لم يزل فى انسجام

خل نعت النبى فهو محـــــــــــال        و السوى جائز بغيــــــــــر ملام

ليــــــــس من حقك الجدال و لكن        أن تكون الجفــــوف منك دوامى

حيث لم تكتحل بنــــــــور اهتداء         كى ترى الشمس مالها من غمام

لا تجادل فى الأوليـــــــاء و سلم          قبل توتيــــــــــــر قوس أيد رام

بشر الخائضيـــــــن فيهم بحرب         من قوى فــــــى يطشه ذى انتقام

رب إنـــــــــــى صدقت كل ولى        راعيـــــــــــا قدرهم بعين احترام

غير أن ابن سالم هو شيــــــــخى       و ملاذى و عمدتـــــــى و إمامى

فى هواه المطاع طـــاوعت عينى       و علــــــــى بابه ضربت خيامى

إن يكن راضيــــــــــا فذلك فوزى       بجميـــــــع المنى و حسن الختام

و قال أيضا فيه:

صاح اركب العزم لا تخلد إلى الياس          واصحب أخا الحزم ذا جد إلى فاس

و اشرح متــــــــون صبابتى لجيرتها          و حى حيا بهم قد كـــــــــان ايناسى

و اقرى السـلام على تلك المعاهد من          حيران تلفظه نــــــــــــاس إلى ناس

و قل لهم ذلك المضــــــــــى و حقكم          باق علــــى العهد ذو وجد بكم راس

لا يبصر الحسن إلا فـــــــــى وجهكم          و ليس بجنح فـــــــى حب لوسواس

و عج إلى  حيث من عينـــــى لفرقته          تبكـــــــى و تزفر بالأشواق أنفاسى

و من أنا فيه حيــــــــــــــــران يقبلنى          دهرى بأنواع تهيـــــــــام و أجناس

و من فؤادى به مضــــــــــى يحملنى          ما بعضه دك منه الشـــامخ الراسى

ذلك الذى نـــــــــال ما لم يمحوه بشر          من العطـــــــايا و لم يعرف بمقياس

غوث البرايـــا أبو العبــاس أحمد من          معناه أعظم أن يجلــــــــى بقرطاس

روح الوجــود و قطب الكون مركزه          مدده سره السارى إلــــــــــى الناس

رمز الوجــــــود و سر الحق طلسمه          مكنونه كنزه المخفــــــــــى بحراس

حقيقه الكون معنــــــــى السر بجمعه           فيض الإله بلا لبس و لا بــــــــاس

أعنى التجانى تــــــاج العارفين و من          بســـــــابغ الفضل من عرفانه كاس

و من محبته دينـــــــــــــــــى و خلته          عقلى وروحـى و جلاسى وأحداسى

و مسمعــــى و فؤادى و انبساط  يدى         و مقلتـــــــــى و لسانى بين جلاسى

يا سامعـــــــــــى إن نكن للسر ذاظما          فجىء لأحمد ساقــــى السر بالكاس

رد ورده العذب و استنشق روائحـــه          تظفر بأعطــــار ذاك الورد و الآس

و استعمل الجد فـــــى تحصيل واجبه         إن لم تكن فى بســـاط القرب ذا ياس

و اهرع إليه إذا مــــــــــا كنت ذاظما          و اسرع إلــى الله مشاء على الراس

و انهض فقد لاح للإسعــــــــاد طالعه          و قم و لانك للإسعــــــــــاد بالناسى

و اخلع ظلامــــــا على قلب منعت به          أن تستضىء إلى المعنــــى بنبراس

و ما ظنــــــــونك بالورد الذى نظمت          يد النبوة هل يبنى بلا ســــــــــــاس

و ما تظن بمنهــــــــــــــــــاج لسالكه          أمن من أهمـــــــال نيران و أرماس

يا رب أدعوك بالأسمـــــا و أعظمها           وأعظم الرسل ذى الاحسان والباس

و حمزة و علـــــــــــــى و ابنه حسن           مع الحسيــــــــن و زهراء و عباس

اجعل قلادة جيدى فــــــــــى أصابعه           و ارحم به قلبــى المضى به القاسى

و ابعث له عند سمع النظـــم مرحمـة           تنفى علـــــــــى شقاواتى و إفلاسى

و عم مثواه تسليمـــــــــا فليـس سوى           تسليـــــم ذاتك كفؤ القطب فى الناس

و هذه القصيدة لها تأتير فى نفى الكروب و انشراح القلوب كما جربت لكل من تلاها و قد بلغنى على لسان الثقة أن الولى الصالح سيدى العربى بن السائح رضى الله عنه حضر بحضرته من يحسن السماع من الإخوان فأمره بأمره بقراءة هذه القصيدة السنية المذكورة، فلما انشدها بين يديه تواجد تواجدا لم يعهده مثله منه، و بعد  تمامها قال للحاضرين إن صاحب هذه القصيدة ما قالها إلا عن وجدان و استغراق فى حب الشيخ رضى الله عنه، و توجد مرتبته العليا التى لا يشاركه فيها غيره الجامعة للفردانية و القطبانية و الختمية و الكتمية، و لم يمدح الشيخ بمثها و لا يقاربها، ثم قال إنكم أولادى. إنه ما ضاق على أحد أمر و قرأها إلا و فرج الله كربه، و ليقرأها فى خلوة فان الإجابة لا تتخلف عنه إن شاء الله تعالى.

و من أغرب ما صدر الترجمة رضى الله عنه قصيدة فى مدح النبى صلى الله عليه و سلم استعملها فى المنام فاستيقظ و هى على لسانه و هى هذه من مخلع البسيط.

 

الحمد لله و هو حسبـــــــــى             و فـــــــاز من حسبه الحسيب

يخص من شــــــاء لا لشىء            إلا يجود لــــــــــــــــه صبيب

ثم الصلاة علــــــــــى النبى             و أدم عليــــــــــــــــــه لزيب

و الآل و الصحب و المولى             من كل من فــى الهوى نجيب

و بعد فيـــــــــا خالقـى فانى             ادعو بكــــــــــــل الذى تجيب

أن تجمع الشمـل و هو فرق              يجمعه المصطفـــــى الحبيب

الفانح الخـــــــــاتم المرجى              لساعة هو لهــــــــــــا مشيب

السيد الكـــــــــــامل المعلى             الطــــــــــاهر الطيب المطيب

كنز الكمـــــــــال الذى لكل              و إن عــــــــــلا قدره نصيب

من مدحه فى الكتـــاب يتلى             ماذا عســـــــــى يمدح الأديب

هو الرؤوف الرحيـــم وافى              فــــــــــى توبة نصها عجيب

فيا رؤوف و يـــــــــا رحيم              ما غيـــــر وصالك لى طبيب

إن لم تدارك حليــــــف سقم              فعيشـــــــــــــه بعد ذا غريب

هذا بكـــــــــــــاء أبدى بكاء             و ذا اشتيـــــــــاق و ذا نحيب

عليــــك من ذى العلا صلاة             من عرفهـــــــا مسكها يطيب

كذلك يصحبـــــــــــــه سلام             لا يندوى غصنـــــه الرطيب

و من مديحه للجناب المحمدى صلى الله عليه و سلم قوله:

كفانى من زمانــــــــــــى ما أقاسى         و لمــــــــا من أهله بالقلب راسى

قدهر فى الحقيقــــــــــــة غير دهر         و ناس فــــــــى الحقيقة غير ناس

و ما أنــــــــــــــا فيهم إلا غريــب          و إن كثر المؤاخــــى و المواسى

و لولا سحر ألحــــــــــــــاظ نيـام          سبانــــــــــى صح من دنياى آسى

تصول به الظبــــــــاء على أسود          فتخضع مذ رأيت غـــــاب الكناس

ففى كل القلـــــــــــوب لها جراح          و فى كل الجفــــــــوف لها مقاسى

و ذاب لفتكها و كان صلبــــــــــا          و لان لفعلها مـــــــــــــــا هو قاس

فلست ترى سوى حب صريــــع           يقاسى فــــــــى الصبابة ما يقاسى

فكلهم و إن تــــــــــــــاهوا فمنـى          قد اقتبســـــوا الهدى بعض اقتباس

و من فى النـــاس لازمـــه عذاب          تزول لحملـــــــه الشم و الرواسى

و كلفه الهوى بأســــــــــــا شديدا          إلى عذل من النـــــــــاس الخساس

سوى هذا القتيـــــــــــل و لا قتيل          كمقتول العنــــــــــــاء من النعاس

و لا مثل النصــــــــــــــــال جفن          تجرعن القلـــــــــــوب بلا مساس

على صفحـــــــــــات مقمر جبينا           و خد ورده من تحــــــــــــت آس

غزال لا يحاكيــــــــــــــــه غزال          وشمس نورهـــــــــا للشمس كاس

أغيـــــر المصطفى أبغى بجسدى          أفى خير الأنــــــــــــام من التباس

من العرب الكــــــــــرام أنار لما           أريد هناك تصحيح الأســـــــــاس

و أومض فــــى ليالى السود حتى          أبـــــــــــان الدين من بعد اندراس

و أطلع فى سمــــــاء الدين شمسا          لهمــــــــا بين الورى أى احتراس

فصار الديــــــــن ذا وجه صحيح          و ملك الحق منصــــوب الكراسى

و عـــــــــاد الكفر من بعد اعتزاز         حليف الذل بمحطــــــــوم الدراس

فيــــــــــــــاكم هد من قصر مشيد          و فرق بين جثمـــــــــــان و راس

بأبطــــــــــــــال تدين القرن جبنا           و تكسوه الدمـــــــــــاء من اللباس

عليه مــــــــــا شدا فى الناس شاد           سلام كل آن فـــــــــــــى اغتراس

و قال أيضا رضى الله عنه:

حبكـــــــــم قد شدنى من عضدى           و افتقــــــــــارى لكم أغنى يدى

يا جلوســــــى حيث لا جلاس لى           ثم أنســــــــى حيث لا أنس لدى

شئتم كـــــــــــــــى فؤادى مغرم            فانكـــــــــوى منكم بكى أى كى

فجزمتم لـــــــــــــــــى فؤادا تعبا          عجبـــــــا كيف برى الجزم بكى

أنتم أدرى بمـــــــــــــا بين الحشا           و انطوت عنه ضلوعى أى طى

افعلوا مـــــــــــــــــــــا شئتم إنكم           كل فعل منــــــــــــكم عذب لدى

و إذا عنفنـــــــــــــــــــى ذو عذل           قائلا حبك فيهم كــــــــــان غى

قلت مه دعنــــــــــــــــى فلو أنهم           منحونـــــى الحب ما كنت بحى

هم فؤادى و حياتــــــــــى مثل ما           أنهم سمعــــــــى و مرأى مقلتى

يا أناســـــــــــــى حيث ما أنتم أنا           و تنزهتم عن الشبــــــــــه بشى

فاكشفـــوا عن عين قلبــــى غشوة          و اقلعوا لــــــى صمما فى أذنى

كى أرى بعضـــا من الحسن الذى          دونه الأفكـــــار فى عجز وعى

و تعـــــــــــى نحوركم أذنى و أن          كنت أرجو منصبا صعبا علـــى

فأرى منكم رضأأأـــــــــــا يلبسنى          تحت أطباق الثرى أحســـن زى

و سأله رضى الله عنه العلامة الشيخ محمد بيرم الرابع عما شاع فى ذلك الوقت بتونس عن خبر فناء العالم و نسبوه لسيدا رضى الله عنه بقوله:

أيا من رقا أوج المعالى و قد غدت        إليه مقاليــــــــــــــــد العلوم تسلم

لقد ظهرت رؤيا لها نسبة إلـــــــى        إمـــــــــــــــــام له بين الأنام تقدم

همام على دست المعالى و قد علا         مراتبــــــه من موقع النجم أعظم

ملخصها أن الأنـــــــــــام جميعهم         لذا القرن تفنى دون ريب و تعدم

أهل هو ممـــــــــا صح عندك نقله        عن الشيــــخ  أن للمين فيه توسل

أجبنا رعـــــاك الله عن كنه أمرها        فأنت بهـــــا من غيرك اليوم أعلم

لأنك ممن خـــــــــاض لجة بحره         و أضحـــــــــى بتحقيق لها يترنم

بقيت لنا كنها و للحق نـــــــاصرا         و للصعب من دأب الغواية تحسم

و يطلب رب النظم حسن دعائكم          ألا و هو المدعـــــــو محمد بيرم

فأجابه بقوله مكذبا لذلك:

أيا من سبا الألباب لطف كلامـــه         كما أنه فى الأذكيــــــــــــاء مقدم

أتتنى من سحر البيان قصيـــــدة          و ما هــــــــــى إلا عقد در منظم

تسائل عما شاع فى الناس ذكره          أهل له أصل فى الثبــــــوت مسلم

نعم هو ريب دون مين و مـــاله           ثبوت و أمر الشيخ أعلى و أعظم

جزى الله خزيا مفتريـــــه و ذلة           و مأواه إن لم يعف عنـــــه جهنم

فهذا جواب الذى هو طـــــــالب           حقيقة هذا الأمـــــــــر و الله أعلم

و يسأل إبراهيم من فضل لربه            لك الأمن فى الداريــن و هو يسلم

و سأله العلامة الشيخ أحمد بن بابا العلوى الشنجيطى صاحب منية المريد وقت وفوده إلى تونس و ذلك فى شوال ستة 1260 بقوله:

يا بهجة الأمصار و الأعصــــــار        و قرة الأسمــاع و الأبصــــار

و نخبة الآخيــــــــــــار و الأبرار        وحقة العلــــــــــوم و الأسرار

يا بدر مادجى من المســــــــــائل        جوابكم  يا سيدى لســــــــــائل

يسأل عن مسئلــــــــــــة قد عنت        مستشردا و ليــــــــس بالمعنت

و هــــــــى امرؤ لزوجه قد سألا        هل خلق الرســـــــول ربنا علا

فجعلت لم أدره الجــــــــــــــوابا         و بعد أن علمهــــــــــا الصوابا

قالت بأنهــــــــــــــا لذلك تدرى         و إنمــــــــــــا اعتراه ضد الذكر

فما تقول سيــــــدى فى عصمته         أبقـــــــــــــــاك ربك لأهل ملته

بجــــــــــــاه سيد الوجود أحمدا         شفيعنا يوم القيــــــــــــــامة غدا

سيـــــــد كل سيــــــــد وفــائقه         عليه أزكــــــى صلـــوات خـالقه

فأجابه رضى الله عنه بقوله:

أحمد ربى ملهم الرشـــــــــــــاد          مصليا على الرســــــول الهادى

و آلـــــــــــه و صحبه و كل من         سلك فى اتبـــــــاعه هدى السنن

هذا و ليس فى الذى جرى حرج          و لا النكـــــاح عن سبيله خرج

فليطب الزوج بذلك نفـــــــــــس         فهى لعمرى لا تزال عرســـــــا

هذا جوابى غاية فى الاختصــار         و حيثما أفاد فالتطويـــــل عــــار

و ما به كان افتتــــــــــاح النظم          به بحول الله حســــــــــــن الختم

و من فوائد صاحب الترجمة التى تلقاها عن الخليفة الأعظم سيدنا الحاج على حرام رضى الله عنه و كتبها له بخطه مجيزا له بما نصه:

مهما أردت حاجة من حوائج الدنيا و الآخرة، فصل على رسول الله صلى الله عليه و سلم بنية الحاجة التى تريدها ثم تقول: يا رب توسلت إليك بحبيبك و رسولك و عظيم القدر عندك سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم فى قضاء الحاجة التى أريدها مائة مرة، ثم تقول: اللهم إنى أسألك و أتوجه إليك بجاه القطب الكامل سيدى أحمد التجانى و جاهه عندك أن تعطينى كذا و كذا و تسمى حاجتك بعينها عثرا، ثم تصلى على رسول الله صلى الله عليه و سلم عقبها ثلاثا، أى هذه الصلاة الأخيرة ا ه

و قد تقدم لن سبب أخذ صاحب الترجمة لطريق سيدنا رضى الله عنه و حدثنى سيدى و مولاى أحمد العبدلاوى نفعنا الله به فى كيفية اجتماعه بالخليفة الأعظم سيدى الحاج على حرزام رضى الله عنه، أنه رضى الله عنه لما وصل تونس دخل لأحد مساجدها و كان ذاك المسجد يدرس فيه أحد الشيوخ الكبار العلم الشريف و كان من جملة الطلبة الذين يحضرون مجلسه صاحب الترجمة فاتفق أن جلس قبل انيان الشيخ المدرس لدرسهبجنبه و صار يتحدث معه إلى أن سأله و ما السببب فى ترحاله و ما مقصوده فى ذلك كله، فأجابه بما اقتضاه حاله فى ذلك الوقت إلى أن قال له و لا بد لك من الدخول لطريق المعرفة و ما جئت إلى هنا إلا من أجلك، و الدليل المقوى لصحيح اعتقادك فيما قلته لك هو أن الشيخ لا يأتى اليوم للدرس، فتعجب صاحب الترجمة من أقواله و ما رآه من أحواله، و كان ذلك الوقت أول اجتماعه، فقال له إن لم يأت الشيخ اليوم فلابد أن يكون لك شأن عظيم عند الخاصة و العامة، و تظهر لك عندى الكرامة التام، ثم ما قاله الخليفة سيدنا الحاج على رضى الله عنه بعدم مجىء الشيخ للدرس، فتشبث صاحب الترجمة بأذياله و طلب منه أن يذهب معه لبيته فى المدرسة، و أن ينزل عنده فأجابه لذلك و لا زال الخير يأتى إلى أهله من كل المسالك، فنزل عنده ببيته مدة إقامته بتونس، و تلقى منه الطريقة التجانية كما تقدم، و صار يأخد عنه فى تلك المدة معارف و أسرارا و يقتبس من علومه أنوارا إلى أن قال له يوما لابد أن تذهب سفيرا إلى بلاد المغرب و تتلاقى مع أميرها و يكون من أمرك كذا و كذا فإذا ذهبت لتلك الديار فعليك أولا بزيارة سيدنا الشيخ رضى الله عنه، و ألزمه طول االمقام هناك فى الليل و النهار فصار صاحب الترجة يتعجب من أن يكون له هذا الأمر بعد أن تحقق أن كل ما أخبره به سيدنا الحاج على رضى الله عنه لابد من وقوعه.

و كان من قدر الله أن حدثت المسغبة بالبلاد التونسية سنة 1218 و احتاج الناس للمسيرة من سلطنة المغرب، فأمر أمير تونس حموده باشا أن يذهب الشيخ سيدى صالح الكواش رضى الله عنه سفيرا لأجل ذلك إلى سلطان المغرب مولانا سليمتن قدس الله روحه فى الجنان فاعتذر الشيخ المذكور لكبره و وهن عظامه و عدم قدرته على السفر مع تزايد سقمه، و أشار عليه بأرسال تلميذه صاحب الترجمة، و نوره بقدره عنده، و أنه إن أرسله ينل مقصوده، فأمر الأمير بتهىء صاحب الترجمة لهذا المقصد و سافر إلى الديار المغربية إلى أن وصل بالسلامة.

و لما بلغ إلى حضرة فاس مشى أولا لدار سيدنا الشيخ رضى الله عنه، عملا بوصية الخليفة الأعظم رضى الله عنه، و لما استفتح الباب أجابه خادم هل أنت إبراهيم الرياحى التونسى؟ فقال لها نعم، فقالت له: إن الشيخ رضى الله عنه أخبر بمجيئك و أذن لى فى ادخالك من غير استئذان. و أدخلته فوجد بدار الشيخ رضى الله عنه جماعم من أصحابه الذين فازوا بالإجتماع بسيدنا رضى الله عنه، ثم قدم إليه قدح من لبن فشربه، و بعد ذلك خرج إليه جناب سيدنا الشيخ رضى الله عنه من خلوته، و ذلك بعد أن أدى تحية الاجتماع به أخبره سيدنا رضى الله عنه بوفاة شيخه الشيخ صالح الكواش، و أنه كان فى جنازته و ذلك يوم الاثنين السابع عشر من شوال سنة 1218، و بعد ما قضى صاحب الترجمة وطره من الزيارة لجانب سيدنا رضى الله عنه، توجه للحضرة السلطانية فقابلنه بما يليق بالجنابين من الإجلال و الإكرام، و صار يتردد إلى الجناب العالى إلى أن نال منتهى المرام، و رجع بالسلامة إلى قراره محرزا غاية آماله و أوطاره

و من ذلك الوقت صار يلهج سلطان المغرب قدس سره به، و يكلتبه المرة بعد الأخرى بما يستحقه من المحمدة و المكرمة.

و لصاحب الترجمة فى مدح جنابه جنابه الأفخم قصائد عديدة ضربنا عنها صفحا، و لما كانت سنة 1228 شاع الخبر بتونس أن ابن السلطان مولانا سليمان الذى أنابه عنه فى حج بيت الله الحرام قاصدا المرور على طريق تونس، فاستحضر له صاحب الترجمة قصيدة ليتلقاه بها لكن تبين له أنه رجع من حجه إلى حضرة فاس فأرسلها إلى حضرة والده مولانا سليمان و هى مشتملة على ستين بيتا مطلعها:

هذا المنى فانعم بطيب و صــــــــال         فطلمــــــا أضناك طول مطال

ماذا و كم أوليتنى يـــــــــــا مخبرى         بقدومه من منة و نــــــــــوال

بشرتنى بحياتى العضمى التــــــــى         قد كنت أحسبهــا حديث خيال

بشرتنى بابن الرسول لو أنمــــــــــا        روحى ملكت بذاتهـا فى الحال

بشرتنى بسلامه الخلافــــــــــاء من        أمداحهم تتلــــــــــى بكل مقال

من حبهم فرض الكتاب أمــــا نرى        إلا المودة حين يتلو التالـــــــى

إلى أن قال فى خطابه:

لكم الفخـــــــــــــار بذاته و سواكم        مستمسك من بحركم بضـــلال

و لى الفخـــار بأن نسجت مديحكم       حللا تجدد كل شىء بـــــــــــال

أملى معانيـــــــــــــه على ودادكم        فجرى به طبعى كما السلســـال

و لو أننى حــــــاولت مدح سواكم       عقد القريــحة  عنه أى عقـــــال

فكأنما طبعى شريــــــــــف حيثما        لا يهتدى لسوى مديـــــــح الآل

أو قد درى أن المديــــــح تعرض        و سواكم لا يرتضــــــى لسؤال

أبقــــــــــــــــاكم كهفا يلاذ بمجده        مختاركم لإنالة الآمــــــــــــــال

إلى آخرها و قد أجاب الأميـر المذكور صاحب الترجمة بقصيدة غراء منها

حيت فأحيت قلب صب صـــــال        كيما تبشره بقرب و صــــــــــال

و استفتحت بعد التحية سورة ال         فتح المبين بقصد أخذ الفــــــــال

هيفــاء ترفل فى مطارف سندس        من نسج تونس لا تسام بمــــــال

مخضوبة الكعبين و القدمين فـى        طول القنا ملــــــــــــــوزة بدلال

بيننا نســـــائل بعض أتراب لهـا        إذ أسفرت عن وجههــا المتلالـى

فتضاءلت لسنــــاه أقمار الدجـى        و لصبح أصبح كالقميص البالـى

فحسبتهــــــا الدر الثمين ملاحـة        أو بنت فكر السيد المفضـــــــــال

العــــــــالم العلم الذى أهدى لنـا        درر المعالى بل عقـــــــــود لآلى

أدت قريــــــــحته و ثاقب ذهنـه        ما أعجز البلغا لبعد منـــــــــــــال

يــا أهل تـونس حزتم شرفا بمـا        أبديتم من صـــــــــالح الأعمــــال

يكفيكم أن فيـــــــــــكم هذا الذى        حلت بلاغته محل كمـــــــــــــــال

إلى آخرها و قد وقفت على شرح لطيف لأحد الأدباء المعاصرين  من أهل فاس و مزجها بالشرح مزجا عجيبا و سلك فيه من الإنشاء فنا غريبا و هو العلامةالفقيه و الأديب الوجيه أبو الحسن سيدى على المتيوى رحمه الله تعالى.

و لنذكر هنا صورة رسالة كتبها الأمير المذكور لصاحب الترجمة بعد القصيدة المتقدمة لتعلم جلالة جناب هذا السيد رضى الله عنه، و نص المقصود منها هذا بحول الله كتاب كريم يغنى روض خطابه عن أزهار الجزاء العميم، من العبد المتوكل على ربه فى السر و الإعلان أمير المؤمنين سليمان عمه الله بالعفو و الغفران إلى الشيخ المجلى فى حلبات الأدب على كل من لأسرار البلاغة انتسب الشاعر المطبوع الرابط بحبل أسلوبه البديع بين كل محمول و موضوع، العالم النقاد السالك على سنن النساك و الزهاد تاج المعرفة فى الإقليم الإفريقى أبى إسحاق سيدى ابراهيم الرياحى، لا زالت نافحة محاسنة يضوع عبيرها بأقصى النواحى ثم عليه من السلام ما يسمو به فى سماء العز سمو بدر التمام، أما بعد الخ

و من جملة الرسائل التى خاطبه سيدى الشيخ التجانى رضى الله تعالى عنه بها لما طلب منه الذن فى الطريق المحمدية قوله رضى الله عنه:

بعد البسملة و الحمدلة و الصلاة على النبى صلى الله عليه و سلم إلى حبيبنا الفقيه الأنبل النبيه الأفضل إبى إسحاق سيدى ابراهيم الرياحى بتونس، سلام الله و تحيته و رحمته و بركاته و ابراره و رضوانه و إحسانه و إكرامه و إنعامه و إعظامه، عليك و على آلك و من لاذ بجنابك من الأهل و الجيران و ما تعاقبت الأعصار و الأزمان و إنى أحمد إليكم الله الذى لا إله إلا  هو.  أما بعد فقد وصلنا كتابك الكريم و خطابك السليم، فقد أجزتك و أذنتك فى ذكر الورد الكريم المبارك العظيم، فشد حيازمك فيما أنت بصدده، و أيقظ نفسك من غفلتها، و لا تعطها طوعا فى بطالتها، فان الأمر جد لا هزل، و قف على ساق الجد و الكد فإن الفقير الناقض لميثاقه عقوباته شديدة، و حسراته عديدة، و كن على يقين من أمرك و لا تهمل ما كفيت و لا تعاط ما استكفيت، فإن طريقتنا هذه المحمدية قد خصت من الله عز و جل بخصوصيته على سائر السبل، يكل اللسان عن تبيين  حقيقتها، و لا ينتظم فيها و لا يأوى إليها إلا المقبول فضلا من الله عز و جل، و لو كشف الغطاء عنها لصبا إليها أعيان الأقطاب، كما يصبو رعاة السنين إلى الغمام، و لولا ما نهيت أصحابى عن التصريح لأحد بالأخذ لها لكان الواجب فى حق كل من نصح الأمة جبر الناس عليها و الإتيان إليها و لكن لا مندوحة عن الوقوف عندها حدد، فتنبه و تبصر و لا تغتر إذ الطرق كلها آخذة بحجزتها، لأنها أصل كلية الطرق، منذ نشأة العالم إلى النفخ فى الصور بوعد صادق من سيد الوجود صلى الله عليه و سلم.

ثم أذنت لك إذنا كليا كافيا متماديا من الآن إلى الأبد بلا تبديل و لا تحويل بشرط بقطع زيارة الصالحين بحذافيرهم إلا النبى صلى الله عليه و سلم و أصحابه رضوان الله عليهم لا غير، و قد من الله علينا بجوهرة الكمال (1) أن كل من ذكرها أثنتى عشرة مرة على طهارة كاملة و قال هذه هدية لك يا رسول الله فكأنما زاره صلى الله عليه و سلم فى روضته الشريفة و كأنما زار أولياء الله الصالحين من هجرته صلى الله عليه  سلم إلى حين الذكر.  فتنبه رحمك الله إلى هذه المنح العظيمة و اليواقيت النفيسة التى من الله الكريم بها علينا من دون سائر الطوائف و طريقتنا مكتومة إلا عن سيد الوجود صلى الله عليه و سلم فإنه عالم بها و بحالها جعلنا الله و إياكم (2) ممن تمسك بها و انخرط فى سلكها فى  الحياة و فى الممات، فى سلامة و  

        

(1)      هذه إحدى الروايات لجوهرة الكمال فى نيل ثواب الزيارة ا ه المؤلف

(2)      فإن قلت كيف دعا سيدنا رضى الله عنه بذلك لنفسه مع أنه إمام هذه الطريقة فالجواب أن هذه الطريقة طريقة أخذها عن النبى صلى الله عليه و سلم فهو كالمقدم فيها فدعا بذلك لنفسه و سيأتى فى بعض التراجم تحقيق ما قلناه ا ه المؤلف                         

 

 عافية و أمانة إلى الاستقرار فى أعلى عليين بجوار سيد المرسلين.

و إياك ثم إياك العجز و الكسل و الحرج و التوانى فيما أمرت به و الجلوس فى موضع الريب و الضلال، و أوصيك بتقوى الله فى السر و العلانية و اتباع السنة فى كل قاصية و دانية و شاذة و فاذة فى الأقوال و الأفعال، و الرضى عن الله فى الاقلال ة الإكثار و الإقبال على الله و مراقبته فى جميع الأحوال و الإعراض عن الخلق فى الإقبال و الإدبار و تحكيم السنة على جميع الخطرات، و عليكم بالاستقامة فى جميع الحركات و السكنات، و أوصيكم بالصبر، و مصاحبة الذكر و الجثوم إلى الله بكليتكم بشرط ترك الفضول. و الصبر على الأذى أقرب للسلامه و أحمد فى العاقبة، و أسأله تعالى أن يرزقكم تسديده و توقيفه و تأييده، و أن يسعدكم و أن يتولى أمركم بما تولى به خواص عباده المحبوبين لديه و أهل الصديقية العظمى و االولاية الكبرى، بجاه المصطفى صلى الله عليه و سلم، و أن يجعلكم فى كفالته و كفايته و كلاءته و ولايته و وقايته و هدايته و حراسته و حياطته و غفارته و صيانته و عزته و منعته إنه المستعان و عليه التكلان، و أن يجعلكم من أوليائه الذين ذكروه خوفا و طمعا                و أن يكسوكم حللا من نسج مودته، و أن يلبسكم النور الساطع من مسرته، و أن يوفقكم على باب النظر من قربه و أن يطهر أبدانكم بمراقبته و أن يطيبكم بطيب أهل معاملته، و أن يضع على رؤوسكم تيجان مسرته، و أن يرفع لكم أعلام الهداية إلى مواصلته، و أن يجلسكم على كراسى أهل معرفته، و أن يشفى عللكم كلها بحكمته، إنه ولى ذلك و القادر عليه، و صلى الله على سيدنا محمد و آله و صحبه و سلم تسليما ا ه

فانظر رحمة الله إلى هذا الدعاء من سيدنا رضى الله عنه إلى هذا السيد الجليل تعرف قدره الذى هو بكل خير فى الدارين كفيل فهنيئا لسيادته ثم هنيئا به، رزقنى الله مع المحبين نفحة من نفحاته، و نفعنا ببركاته آمين.

و من جملة ما خاطبه به سيدنا رضى الله عنه يسأله عن أحواله المرضية و يدعو له بما فيه السعادة الأبدية قوله رضى الله عنه: بعد حمد الله جل جلاله و عز كبرياؤه و تعالى عزه و تقدس مجده و كرمه، يصل الكتاب إلى يدى حبيبنا و رفيع المكانة فى قلوبنا سفير و جوال بحور العلوم و غواص ميادين الفهوم سيدى ابراهيم الرياحى التونسى السلام عليكم و رحمة الله و بركاته و على كافة أهلك و أولادك و على كل من يلوذ بك و ينتسب إليك. من كاتبه العبد الفقير إلى الله أحمد بن محمد التجانى، و بعد فالسؤال منا عن أحوالك كيف أنت و كيف هى أحوالك أجراها الله علة طبق رضاه و نسأل الله عز و جل لك أيها السيد الكريم أن يرزقك ببين يديه وقفة  كاملة صافية خالصة منه إليه و به، تفوق موقف أكابر الصديقين و الواصلين و نسأل منه سبحانه و تعالى أن يهب لك هذه الوقفة بين يديه حالا و مآلا فى الدنيا و الآخرة و أن يهيىء لك فى تلك الوقفة خصوصية عظمى، و موهبة كبرى، و مقربة زلفى، علما و عملا و حالا و ذوقا وتحققا، إنه ولى ذلك و القادر عليه، و نسأل منه سبحانه و تعالى أن يجعل نظرة فيك فى الدنيا و الآخرة عين عنايته و محبته و رحمته و اصطفائه و اجتبائه و أن يكفيك جميع المهمات و أن يكمل لك جميع المرادات و إنه ولى ذلك و القادر عليه و صلى الله على سيدنا محمد و آله و صحبه و سلم ا ه إلى غير ذلك من مزايا صاحب الترجمة رضى الله عنه. و فيما ذكرناه كفية و له تآليف عديدة و مقالات مفيدة، و قد ألف فى التعريف به بعض العلماء من أحفاده تأليفا سماه تعطير النواحى بترجمة الشيخ سيدى ابراهيم الرياحى و قد اقتطفنا منه بعض الفوائد، مما ليس عندنا و أدرجناه هنا تتميما للفائدة.

توفى صاحب الترجمة رضى الله عنه فى سابع عشرة رمضان المعظم عام ست و ستين و مائتين و ألف، و ضريحه الشريف بتونس يقصد للزيارة من سائر الأقطار لقضاء الأوطار رضى الله عنه و أرضاه و نفعنا به آمين