الفقيه سيدى محمد بن المشترى رحمه الله:

 

و منهم العالم العلامة الدراكة الفهامة حامل مذهب الامام مالك و السالك فى العلوم أقوم المسالك، خزانة الأسرار العرفانية و ترجمان الطريقة التجانية الشريف المنيف أبو عبد الله سيدى محمد بن المشترى رحمه الله تعالى.

كان رحمه الله من خاصة الخاصة من أصحاب سيدنا رضى الله عنه و الوارثين من منهل علومه و المطلعين على بعض أسراره الغيبية، و قد اتخده رضى الله عنه إماما فى الصلاة، و كاتبا له يقوم مقامه فى الرسائل و الأجوبة، و مؤلفا لما سمعه أو عليه أملاه، و كان أول اجتماعه به عام ثمانية و ثمانين و ألف و هو العام الذى قفل فيه من حجه لتلمسان.

قال فى البغية: و فى هذا العام عام قفوله من حجه للحضرة التلمسانية أعادها الله دار إسلام حظى باللقاء مع صاحبه و خازن أسراره الفقيه العلامة الإمام القدوة المبجل الهمام أبو عبد الله سيدى محمد بن المشرى الحسنى السايحى الترقى الدار و هى اى ترقت بلدة معروفة من عمل اقسمطينه فى الجزائر رحمه الله و رضى الله عنه فخص منه إذ ذاك بتلقينه إياه الطريقة الخلوتية، و تلقى منه أسرارا و أذكارا أخر حسبما أخبر بذلك عن نفسه رحمه الله و نفعنا به، و بقى فى صحبته من ذلك الوقت إلى أن توفى رحمه الله سنة أربع وعشرين و مائتين و ألف.

و هو الذى ألف كتاب الجامع لما افترق من العلوم و كتاب نصرة الشرفاء فى الرد على أهل الجفاء، و كان سييدنا رضى الله عنه اتخده إماما يؤم به فى الصلاة لأنه رضى الله عنه كان فى ذلك الوقت لا يحب أن يصلى إماما إلا إذا كان داخل داره فيؤم أهل داره و عياله. و فى عام ثمانية و مائتين و ألف تصدى للإمامة بنفسه لموجب قام به فى ذلك الوقت قاله فى الجوهر.

و بلغنا من طريق الثقات من أصحابه رضى الله عنه أنه فعل ذلك بإذن الله من النبى صلى الله عليه و سلم، و كان يقول أمرنى من لا تسعنى مخالفته أن لا أصلى خلف أحد ما عدا الجمعة و لهذا كان رضى الله عنه إذا كان فرضه التيمم و حضرت الصلاة و هو مع أصحابه صلى بهم، و الحال أنهم متوضئون، لكن بعد أن يقول لهم إن فرضى التيمم فإن شئتم أن تجتمعوا على إمام فافعلوا، فلا ينكر على من اجتمع إلى غيره و من صلى معه أقره على فعله بناء على قول ابن العرابى و ابن الماجشون فى ذلك، كما هو معروف فى المذهب مع اطلاعه رضى الله عنه على ما هو فى نفس الأمر من الفضيلة فى الصلاة خلف أمثاله، و لعلنا نتعرض لما فى الصلاة خلف العارفين بالله فيما سيأتى إن شاء الله.

و وجه بيانه رضى الله عنه على الخوث من أن يكون من لا يريد أن يعمل إلا على المقابل لقول الشيخين المذكورين و هو جار فى ذلك رضى الله عنه على قاعدة الورع فى نظائر المسئلةة ظاهرا و الله أعلم و كان من وظيف الناظم رحمه الله أن لا يغفل عن التنبيه على أن هذا الزمن و هو زمن اجتماع هذا السيد الجليل القدر بسيدنا رضى الله عنه، و قلت فيما يشير إلى ذلك لمن أراد أن يلحقه فى هذا المحل ما نصه:

و جاءه إذ ذلك سامــــى القدر         فرد السنـــــا سيدنا ابن المشرى

ففاز منــــــــــه ثم بالتلقيــــن         عن شيخه الكدى الرضى الأمين

فحل فيها الخ. و قال عند قول المنية فى تعداد من حصل له الفتح على يد سيدنا رضى الله عنه.

و كالفقيه العالم ابن المشرى         صــــــــاحب شيخنا رفيع الذكر

ما نصه: و أما الفقيهه العالم سيدى محمد بن المشرى فهو صاحب سيدنا و خازن أسراره و قد تقدم بعض التعريف به و شهرته كافية، و هو الذى ألف نصرة الشرفاء فى الرد على أهل الجفاء و غيره حسبما تقدمت الإشارة إليه، و كان قوى الحال فى المحبة، و مما يؤثر عنه فى ذلك أنه مر و هو راك على فرس أنثى بضريح بعض أهل التصرف بالصحراء و هو من أجداده رحمه الله تعالى فساخت بعض قوايم الفرس، فالتفت إلى ذلك الضريح و قال له و الله حتى أسرح فرسى و أشكوك إلى الشيخ يتصرف فيك فسرحت الفرس كأن لم يكن بها شىء.

هذا من غرائب أوصاف المحبة.

توفى رضى الله عنه فى الصحراء سنة أربع و عشرين و مائتين و ألف ا ه

و قال فى جواهر المعانى فى تحلية صاحب الترجمة بعد ذكر صفات سيدنا رضى الله عنه ما نصه:

و من جملة صفاته رضى الله عنه أنه لا يؤم أحدا إلا أن يكون فى داخل داره و عياله، و يصلى هو خلف الأئمة إلا أن يكون مانع شرعى، كأخدهم الرشوة أو غيره فلا يصلى وراءهم و هذا كان فى ابتدائه و كان له إمام و هو العالم العلامة الدراكة الفهامة الجامع بين الحقيقة و الشريعة و الإفادة و علوم الطريقة خازن سره، و حافظ عهدهو محل وده و خليل أنسه أبو عبد الله سيدى بن محمد المشرى الشريف المنيف الكامل العفيف الحسنى السائحى السباعى أصلا التقرتى الموطن من خط الجريد و هى معروفة من عمل اقسمطينه و دارهم دار علم و صلاح و رشاد و فلاح و لا زالوا إلى الآن من العلماء العاملين والأئمة المهتدين و جهلهم أخد طريقة شيخنا رضى الله عنه، و يقصدونه بالزيارة من بلدهم نحو عشرين يوما أو أزيد و يأتون بالأموال العظيمة لسيدنا رضى الله عنه دراهم و كسوة و تمرا، و قد وافيتهم مرارا متعددة عند سيدنا، و لا رأيت أحسن منهم سمتا و دين و علما و جلهم علماء منذ عرفنا سيدنا رضى الله عنه و تأتيه الوفود من جميع النواحى و الهدايا، ما رأيت أحسن منهم فى الأدب و التعظيم و حسن النية، و يعاملهم سيدنا رضى الله عنه بما يعامل غيرهم من الاعراض عنهم و بعد المبالات لهم كما يفعل مع غيرهم فكلمته رضى الله عنه فى ذلك فقال لى ليسوا كغيرهم إنما يطلبون المقامات العلية و الأحوال السنية رضى الله عنهم ولا حرمنا إياهم من خير هذا السيد الكريم، و لا زال هدا السيد رضى الله عنه مع سيدنا رضى الله عنه من سنة ثمانية و ثمانين و مائة و ألف إلى الآن و هو مع سيدنا بفاس عام ثلاثة عشر و مائتين و ألف، فلما وصل سيدنا رضى الله عنه سنة ثمانين و مائتين و ألف تصدى للإمامة بنفسه رضى الله عنه لموجب قام به لا ينفك عنه و لا تصح صلاته إلا بنفسه، إلا إن قام به عذر شرعى، فهو رضى الله عنه يصلى إماما بالناس إلى الآن و لا يصلى خلف أحد إلا فى الجمعة و شهر رمضان سنة 1213.

و هو أحد المفتوح عليهم بهذه الطريقة المحمدية فى قيد حياة سيدنا رضى الله عنه و لذلك أمره بالسفر من البلد الذى هو فيها رضى الله عنه، قال فى كتابه الجامع: و سمعته رضى الله عنه يزما يقول: إذا فتح الله على أصحابى فالذى يجلس منهم فى البلد الذى أنا فيه يخاف على نفسه من الهلاك، فقال له بعض أصحابه منك أو من الله؟ فأجابه بقوله من الله تعالى من غير اختيار منى الخ.

قال فى البغية بعد أن تكلم على أن خروج الخليفة سيدى الحاج على حرام، كلن بعض الجلة من الأصحاب يراه من أجل ما ذكر من الفتح المذكور و القيام بالتربية كما هو مشهور، ما نصه و قريب من هذا خروج مؤلف الجامع العلامة القدرة البركة سيدى محمد بن المشرى رضى الله عنه من فاس إلى الصحراء إلى أن توفى بها كذلك أيضا، و هو أنسب محاله و بمقام الشيخ رضى الله عنه مما يجعله بعض الأصحاب سببا لخروجه و سفره عن الشيخ رضى الله عنه إن ثبت شىء من ذلك الذى يشاع بين الخوان اليوم فهو من الأسباب الظاهرة التى هى من جملة ما يستر الله به على أوليائهم مقاماتهم و احوالهم معه سبحانه، و الكف عن متابعة من يشيع ذلك من آكد ما ينبه عليه الإخوان بعضهم بعضا لتخلص لهم الحبة فى الخواص من أصحاب سيدنا رضى الله عنه الذى لا يبعد أن يكونوا من هذه الطائفة المخصوصضة بما ذكره الشيخ رضى الله عنه من الفضيلة الباهرة و المكانة الفاخرة إذ لا أقل من أن يحرم بركة الاعتقاد الجميل فيهم من ينصت إلى شىء مما يشير إلى تنقيصهم، و من حرم بركة الاعتقاد الجميل فى مثل هؤلاء حرم الخير الكثير إن سلم له ما معه أعاذنا الله تعالى من بلائه ممنه إلى آخر كلامه رضى الله عنه.

و بعض ما يشاع على الالسنة مما لا ينبغى أن يلتفت إليه هو أنه إنما سافر لما وقع من تغير خاطر سيدنا رضى الله عنه لأمر ذكره صاحب الإفادة و لم يسم صاحب الترجمة، و إنما أشار إليه عند ذكره لقول سيدنا رضى الله عنه مخاطبا له أنت أذيت نفسك و اذيتنى فى أصحابى و الآن قم و تسامح معهم أين ما كانوا: ما نصه سببه أن بعض الأحبة و كان رحمه الله ملازما له نحو الثلانين سنة و كان يؤم سيدنا رضى الله عنه فى الصلاة قبل أن يؤمر أن لا يصلى خلف أحد و وقع منه تخليط  فى الكتابة بين الأحباب فنزلت به مصيبة فى يديه و حل به بلاء عظيم، فاجتمع بسيدنا رضى الله عنه و جعل يرغبه و يتملق بين يديه يدعو له و يرفع الله  ذلك الألم عنه فقال: أنت إلى آخره، و سافر رحمه الله لتلمسان كما أمره و لجزائر و لأبى سمغون و لعين ماضى على حاله بعد ما تسامح مع من بفاس من الأحباب، و توفى رحمه الله من ذلك المرض بعين ماضى و أمر سيدنا رضى الله عنه بتجديد الإذن الذى أخد الورد عنه أين ما كانوا ا ه

و قد وقفت على رسالة بخط صاحب الترجمة إلى سيدنا رضى الله  تعالى عنه يشتكى مما أصابه من ذلك الألم و ما حصل له من الاشتياق إلى الاجتماع به و النظر لوجهه رضى الله عنه، و هذا نص المقصود منها كما نقلتها منه مباشرة.

بسم الله الرحمن الرحيم و صلى الله على سيدنا محمد و آله و صحبه و سلم.

قدوتنا و سندنا و وسيلتنا إلى قطب الأقطاب مولانا أبو العباس أحمد أبن محمد التجانى جمعنا الله معه فى دار التهانى، و أروانا من بحر حبه و فيض أنواره و مدد عرفانه بأعظم الأوانى آمين.

و بعد فإن سأل االسيد عن عبده فإنه بخير ما دام تحت نظره، متشوقا لنواله داخلا فى حمايته، إلا أن اليد الموجوعة إلى الآن لم يفد فيها دواء صنعت لها دهن بو نافع و أتقنته و دهنتها به مدة مع عدم مس الماء و لم يفد، و عالجتها بأمور أخرى و لم تفد كذلك فما بقى إلا دواؤكم النافع الشافى، و أما أحوالنا فاننا بخير لله الحمد و له     بفضلكم علينا إلى أن قال: و قد سأناكم بجاه أفضل خلقه سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم و احبهم إليه أن تدعوا الله لنا بالجمع معكم ة عدم مفارقتكم إلى الاستقرار فى عليين: فقد ضاقت علينا الأرض بما رحبت، و مرضت قلوبنا من هذا الحال و هو فراقكم فى كل عام فلم نطقه، و ما كبر علينا إلا فى هذه الساعة، و قد تحيرنا غاية الحيرة ففاتنا التمتع بجلوسكم و النظر فى طلعتكم الزكية، و مع هذا إننا مهملون لا دنيا شغلتنا عنكم و لا عبادة، و هذا كله من عدم صدقنا معكم حتى أهملتمونا حتى ضاعت أعمارنا سبهللة فإنا لله و إنا إليه راجعون.

إن لم تنظروا فينا بعين الرضى فقد هلكنا. و هذا الهذيان حصل من وحشتكمو الغربة وقلة المساعد فى كل أمر.  نسأل الله أن يرزقنا الرضا منكم و القبول على ما نحن عليه آمين و السلام و صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم تسليما ا هـ

ووقفت على رسالة أجاب بها سيدى الحاج على التماسينى رضى الله عنهسيدى المشترى الأشهب و ليس صاحب الترجمة عن أمور منها طلب النصيحة و نصها:

بسم الله الرحمن الرحيم بحمد الله يصل الكتاب إلى محبنا و صديقنا و أعز الناس عندنا سيدى محمد المشترى بن المرحوم سيدى العربى رحمه الله، السلام عليكم و على منن تعلق بك من أهل و أولاد و خدام و أصدقاء من كاتبه إليك و مريد الخير كله إليك على أبن الحاج عيسى.

و بعد: نسأل اله عز و جل أن يكف عنا و عنك جميع شر خلقه و أن يرزقنا و إياك محبة سيدنا آمين إنه ولى ذلك و القادر عليه، و لقد بلغنا مكتوبك و فهمناه، و أما قولك: أحببت النصيحة له و لرسوله فهذه الساعة التى نحن فيها لم تبق فيها نصيحة (1) و لا عمل، لأن الله تبارك و تعالى حكم على عباده بفساد الأرض و أهلها لم يبق شىء من العمل إلا الذى رزقه الله محبة سيدنا رضى الله عنه ظاهرة و باطنة و

 


(1) النصيحة واجبة حيث يظن فيها الإفادة لا الضرر. المصحح

   

تطلب الله عز و جل و القطب الأغظم سيد الوجود صلى الله عليه و سلم أن يرزقنا و إياك محبته و محبة سيدنا رضى الله عنهو يحشرنا و إياك و جميع الأحباء فى زمرته و أن يجعلنا و إياك فى جوار سيدنا و سيد الوجودصلى الله عليه و سلم آمين آمين و صلى الله على سيدنا محمد و على أله من كاتبه على بن الحاج عيسى ا هـ

و إنما ذكرت هذه الرسالة هنا و إن كانت لغير صاحب الترجمة لئلا يقع الغلط بها، و قد أذكرنى قوله رضى الله عنه هذه الساعة التى نحن فيها لم يبق فيها نصيحة قول القائل:

نصحت فلم أفلح و غشـــــــوا فأفلحوا           و أعقبنى نصحـــــى بدار هوان

فإن عشت لم أنصح و إن مت فالعنوا          ذوى النصح من بعـدى بكل لسان

و فى ضد هذين البيتين يقول شيخنا و مولانا ابراهيم الشريف العلوى رحمه الله:

نصحت ففزت بالفلاح حقيقـــــــــــــة          و أورثنى نصحــــى بلوغ أمانى

فلا زلت ذا نصح و أن مت فارحموا          ذوى النصح من بعدى بكل زمان