مولاى محمد بن أبى النصر العلوى:

 

و منهم الولى الكبير و العارف الشهير صاحب الكرامات المأثورة فى الأقطار و المقامات العالية المقدار المشهور بالصلاح الكامل عند كل عالم و جاهل و ظهر فضله فى الأنام حتى أقر له بالولاية الخاص و العام الشريف الماجد الأصيل و السيد الفاضل الجليل سيدنا و مولانا محمد بن أبى النصر  العلوى الفاسى منشأ و قرارا العلوى السجلماسى أصلا و نجارا هذا السيد رضى الله عنه كان من أكابر العارفين و خاصة الخاصة المقربين و هو أحد العشرة الذين ضمن لهم النبى صلى الله عليه و سلم المعرفة بالله و الفتح الكبير، كما أخبر سيدنا رضى الله عنه بذلك، و ظهر صدق ذلك لكل ذى عين و اتضجت ولايته فى الخلق بلامين و هو أحد الخاصة الذين طالت صحبتهم لسيدنا رضى الله عنه، و مع طول صحبته له لم يفارقه لا ليلا و لا نهارا إلا فى بعض الأوقات الضرورية.

قال الولى الصالح سيدى العربى بن السايح أخبرنى صاحب الترجمة أنه ما فاتته فريضة قط خلف مولانا الشيخ رضى الله عنه ستة عشر عاما، و شاهد من كراماته التى أجراها الله على يده ما لا يحصى، و حدثنا بما يبهر العقول جزاه الله عنا أحسن الجزاء، قال: قال السيد أبو عبد الله إكنسوس، و

 

=== عليه فوائت فيتحرى حسب غلبة ظنه فيقضيها بحسب طاقته من غير أن يشق على نفسه و قد ذكر غوث الله الشطارى هذه الركعات فى الجوهر الخمس ا هـ

 

و قد شاهدنا نحن أيضا من كرامات صاحب الترجمة ما يفوق الحصر، و له بنا عناية عظيمة ما فارقتنا أمداده بهمته طرفة عين أمده الله برضوانه آمين ا هـ

و حدثنى سيدى و مولاى أحمد العبدلاوى  نفعنى الله به أن صاحب الترجمة حدثه أنه فى أول أمره لم يصاحب سيدنا رضى الله عنه إلا على كرشه، يعنى ما صاحبه إلا لكثرة الطعام عنده، و كان هو فى ذلك الوقت يحب ذلك فكان سيدنا رضى الله عنه يعطيه فوق ما يظن من ذلك، إلى أن تمكن حبه فى قلبه و فتح الله عليه فى الطريق بالمحبة فى سيدنا رضى الله عنه، فحينئذ قوى اعتقاده فى جناب سيدنا رضى الله عنه، فنال ما نال و بلغ فى الطريق ما بلغ من الخلافة و التصريف التام و كان رضى الله عنه تأخده أحوال عجيبة يعرفها فيه الخاص و العام على طريقة الملامتية، تسترا لأسراره رضى الله عنه، و هكذا غالب أحوال كل من فتح عليه من أصحاب هذه الطريقة.

قال الولى الصالح سيدى العربى بن السايح فى بغيته بعدد الكلام على طريق الملامتية ما نصه: قد كان أخونا و سيدنا الشريف الأجل الولى الصالح مولاى محمد ابن أبى النصرى العلوى أحد الخاصة من أصحاب سيدنا الشيخ رضى الله عنه يقول لنا مرارا، إن أحوال غالب أهل طريقتنا جارية على أحوال الملامتية، و هو ظاهر فيما ينطبق عليه كلام الحاتمى رضى الله عنه من أوصاف أهلها، و قد صرح بذلك بعض أصحابنا و هو أعلام الطريقة و أركانها فى جواب له.

و نص كلامه فى جملة ما وصفهم به، و لا يدعون دعوى و لا مزية و لا خصوصية و لا تمييزا على الجنس، كل ذى حرفة فى حرفته، و كل ذى شغل فى شغله، مع أن منهم المتصرفين فى الكون بالأحوال بالخواص و الاستعدادات الطبيعية، فلا شك أنهم السادات الملامتية الذين رئيسهم ذو الخلال سيدنا أبو بكر الصديق رضى الله عنه و عنهم.

حسبى بهم من غير هم بدلا فهم        روحى و ريحانى برء سقامـى

إنى ختمت على الضمير بحبهم        فغدا هواهم فيه زهر كمـــــــام

و جعلته حرمـــــــا لهم فسواهم        ما إن له بحماه من إلمـــــــــام

إن لاح لـى من أفق مغناهم سنا        فعلى الوجود تحيتى و سلامـى

انتهى من الجواب المسكت يعنى للمعارف بالله سيدى محمد إكنسوس رحمه الله و من أحوال صاحب الترجمة ما حدثنى به غير واحد أنه كان خارجا مع العلامة سيدى محمد إكنسوس لوادى فاس فمرا على أحد أبواب فاس فوقفا بباب حانوت إنسان يبيع الفاكهة فقال صاحب الترجمة لصاحب الحانوت: بكم ذاك الجوز و ذاك الثمر و أشار إلى شىء وراءه، فالتفت ليرى ليناوله منه، فصار صاحب الترجمة يأخذ مما يليه من غر علم صاحب الحانوت و بجعل منه فى جيبه، و كاد الفقيه المذكور معه أن يذوب حياء، مع علمه أنه لا يفعل ذلك إلا لأمر ربانى، ثم ترك صاحب الترجمة صاحب الحانوت بعد أن أظهر له أنه لم يصلح له ما أشار إليه فلما خرجا عن الباب سأله الفقيه عن ذلك الفعل؟ فقال له الله تعالى (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم) الآية قال الفقيه المذكور فعلمت أن صاحب الحانوت لم يكن يخرج الزكاة (1)  أو أخذ منه ذلك لدفع بلاه كان نازلا به، كما يفعل كثير من الأولياء رضى الله عنهم، أو غير ذلك مما يقتضيه حال هذا العارف رضى الله عنه ا هـ

و سمعت من نجله سيدنا العارف بربه تعالى مولانا الطاهر نفعنى الله به أنه رأى يوما والده صاحب الترجمة رضى الله عنه، جاعلا يده فى سنداس مطهرة ينقيها فقال له يا أبت ما هذا؟ فقال له: يا بنى إن نفسى كادت أن تهلكنى بما تسوله لى، و ذلك أنها قالت أنت ابن بيت كبير من بيوت المملكة و لك أملاك و أصول و تلاقيت مع القطب المكتوم فأنت كذا و كذا ففعلت هذا الامر لأقهرها بهذا و أقابلها بنقيض قصدها

و سمعت منه أيضا أن والده رضى الله عنه سأل سيدنا رضى الله عنه عن حال العارف بالله و معرفته فأجابه بأن العارف مثل البهيمة التى لا جلد لها كل ما نزل بها يؤلمها و تحس به ا هـ أقول

و قد أجاب سيدنا رضى الله عنه أيضا صاحب الجواهر عن حقيقة العارف بقوله: اعلم أن العارف يكون كامل اليقظة و الرضى لأمرين لابد منهما: الأمر الأول ما يفاتح به فى مقامه من لفتوحات و الفيوض و التجليات و عجائب الحقائق و الأسرار التى لا يطيق العقل إحاطة الإدراك لها، فضلا عن

 


(1) يجوز أخد الزكاة بالقوة ممن يتمنع عن إخراجها ما لم يكن ضرر و تنفق فى وجهها الشرعى ا هـ المصحح

 

التلفظ بها، فيعرف ما يلزمه فى كل ما فعل و فى كل أمر من ذلك على حدته من الوظائف و الآداب و المقابلات التى هى مقتضيات العبودية، و الأمر الثانى: تيقضه و رصده لما يتقلب فيه الوجود من الأطوار من خير أو شر أو غير ذلك فيعلم فى كل فصل من ذلك و فى كل أمرأى تجل للحق هو البارز فيه، و من أى حضرة كان ذلك الطور، و لماذا وجد و ماذا يراد منه، فيعطى لكل شىء من ذلك و كل أمر ما يستحقه بحكم الوقت من الوظائف و الآداب و المقابلات التى هى مقتضيات العبودية، حتى لا يشذ عليه من ذلك فى كل مقدار طرفة عين من الزمان شىء

و هذا الأمر هو المعبر عنه بالمراقبة فى مقام العارفين، و هى مشروطة بتقديم المشاهدة و كمال المعرفة، فلا تقع ما لم تقع المشاهدة، فإن الروح عند مطالعة الجمال القدسى مقتضاها الذهول عن الأكوان لما فى الجمال القدسى من الشغل عنها،  هذه المراقبة لأكابر الكمل من العارفين، و هى بساط الخلافة الكبرى، فصاحبها هو الذى يتأتى له أن يكون خليفة لله على خلقه لاستكماله مرتبة للعبودية، فإن دامت هذه للعارف يتأتى له التحقق بالله فى كل مرتبة و هو المعبر عنه بالقطب، و قد لا يكون قطبا ا هـ

ثم قال رضى الله عنه كما فى الجواهر: المتحقق بالحق من يراه فى كل متعين بلا تعيين و المتحقق بالحق و الخلق يرى أن كل ذرة فى الوجود لها وجه إلى الإطلاق و وجه إلى التقييد انتهى ما أملاه علينا سيدنا رضى الله عنه.

و أعلم أن صاحب الترجمة رضى الله عنه كان آية من آيات الله الباهرة و قد شوهد تصرفه التام فى الخلق فى الأمور الخفية و الظاهرة، و فيه يقول الأديب الأوحد الشاعر الأمجد السيد الطاهر السوسى مستعطفا له فى نيل مقصوده حين عزم على الرحيل إلى بلده بعد ما زار سيدنا رضى الله عنه هذه الأبيات.

أمولاى يا ذا الجود يا ابن أبى النصر       و يـــــــــا من له فضل يجل عن الحصر

و يـــــامن سما عرش الخلافة رافعا        على الرأس من دون الورى راية النصر

و يــــا من بإثر الشيخ قلد خطة التـ          ـصرف بالتخصيــــــص من مالك الأمر

أغثنــــــــــى من دهر تألب صرفه          على و من هم يضيــــــــــق به صدرى